محمد غازي عرابي
964
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
والكواكب ، ومع هذا فالإنسان جاحد ، ولقد تحدثنا عن آلية التفكير ، وأوردنا قول الماديين إن التفكير نتيجة نشاط الدماغ ، ثم واجهنا هؤلاء بالإرادة الحرة التي تميز الإنسان أيضا عن الحيوان ، وبالتأمل في عالم الفكر ، وبالتفكير في خلق السماوات والأرض يكشف الإنسان عن الوجود الإلهي الذي لا يخلو منه وجود ، ومع هذا فما أكثر الكافرين الجاحدين المنكرين اللّه ووجوده وفعله في السماوات والأرض . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 51 إلى 52 ] وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 51 ) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ ( 52 ) [ الزخرف : 51 ، 52 ] الإشارة إلى دعوى الإنسان ملكية نفسه وعلومه ، وما أكثر المدعين ، واللّه نبه على أن الإنسان أتاه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ، فمن العدم جاء الإنسان ، ثم كان ، ثم عتا وطغى وقال أنا وأنا ، والمسلمون درجات أعلاها المكاشفة ، وفيها يكشف المكاشف أين اللّه ، وما معنى قوله : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 53 إلى 54 ] فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ( 53 ) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 54 ) [ الزخرف : 53 ، 54 ] يريد الكافرون أن يروا الملائكة عيانا وهذا مستحيل ، فالملك معقول والمعقول شفاف لطيف ، وهو ممثل اسم اللّه الباطن ، وعلى هذا فالملائكة لا تفارق الإنسان ، وهم معه ، مثلما أن اللّه معه ، لكن الإنسان غافل عن رؤية الملائكة النوارنيين جند اللّه الفعالين الحافظين في سماوات العقول وأرض الأبدان . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 55 إلى 59 ] فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ ( 55 ) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ ( 56 ) وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ( 57 ) وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ( 58 ) إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ ( 59 ) [ الزخرف : 55 ، 59 ] كل من لا يعرف اللّه ، ولا يعلم ما هو وأين هو علم اليقين فهو من المغرقين ، فالقصد شق حجاب النفس أولا ، ثم شق حجاب المعقول ثانيا ، ثم شق حجاب التضاد ثالثا ، وأخيرا شق حجاب الروح فإذا الإنسان أمام الواحد القهار ، ومن لم يدرب هذه الدرب فهو غريق في بحر المادة لا محالة ، وقيل إن من لم يعرف اللّه في الدنيا لا يعرفه في الآخرة ، ونضيف إن من لم يشاهده في الدنيا لن يشاهده في الآخرة .